الجمعة، 26 أغسطس، 2011

من اليد إلي الفم، بول أوستر


مـن اليــد إلي الفــم(1)
"وقائـع فشـل مُبَكـر"
بول أوستر(2)

ترجمة : أحمد مجدي(3)


في أواخر العشرينات و أوائل الثلاثينيات من عمري، مررت بعدة سنوات كان كل شئ لمسته فيها يتحول إلي فشل. زواجي أنتهي بالطلاق، عملي ككاتب تعثر، و كنت غارقاً في الكثير من المشكلات. أنا لا أتحدث فقط عن عجزاً عَرضياً أو تقليل متباعد للنفقات- بل نقصاً مستمراً، طاحناً يكاد يكون خانقاً، في المال سمم بدني و أبقاني في حالة لا تنتهي من الهلع.
لم يكن هناك من يُلام سواي. علاقتي مع المال كانت دائماً معيبة، غامضة، مليئة بالخبطات المتناقضة، و الآن أنا أدفع ثمن رفضي إتخاذ موقفاً صريحاً حيال الأمر. طيلة الوقت، كان طموحي الوحيد هو أن أكتب. عرفت ذلك مبكراً في السادسة عشر أو السابعة عشر، و لم أقم أبداً بإيهام نفسي للتفكير في أنني قادر علي كسب العيش من ذلك. أن تكون كاتباً ليس "قراراً مهنياً" مثل أن تكون طبيباً أو شرطياً. أنت لا تختار الكتابة بقدر ما تختارك هي، و طالما قبلت حقيقة كونك غير صالح لأي شئ أخر، فعليك أن تكون مستعداً لأن تسير في طريق صعب و طويل طيلة أيامك الباقية. ما لم يتضح أنك مُفضلاً عند الآلهة (و طوبي للرجل الذي يتضح أنه كذلك)، فلن يجلب لك عملك أبداً مالاً كافياً ليكون دعماً لك، و إذا كنت تطمح إلي أمتلاك سقفاً فوق رأسك و ألا تجوع حتي الموت، فيجب أن تعهد بنفسك إلي عمل آخر قادر علي تسديد الفواتير. لقد فهمت كل ذلك، و كنت مستعداً، لم يكن لدي أي شكاوي. في هذه المسألة، كنت محظوظاً بعض الشئ. إذ أنني لم أكن أرغب في أي شئ مادي من السلع، و مسألة أن أكون فقيراً لم تُخيفني. كل ما كنت أريده هو فرصة لعمل ما شعرت أنه بداخلي.
معظم الكُتّاب يعيشون حياة مزدوجة. يكسبون نقوداً طيبة من مهن عادية و يُفرّغون بعض الوقت لكتاباتهم بأفضل ما يستطيعون : باكراً في الصباح، وقت متأخر في المساء، نهايات الأسبوع، الإجازات. ويليام كارلوس و يليامز(4) و لويس- فيردناند سيلين(5) كانا طبيبين. والاس ستيفنز(6) عمل لحساب شركة تأمين. تي.إس.إليوت(7) كان مُحاسباً، ثم ناشراً. و من ضمن معارفي، الشاعر الفرنسي جاك دوبين(8) يعمل مديراً مشاركاً لمعرض فنون في باريس. ويليام برونك(9)، الشاعر الأمريكي، أدار بيزنس الفحم و الخشب لعائلته في ريف نيويورك لما يزيد عن الأربعين عاماً. دون ديللو(10)، بيتر كاري(11)، سلمان رشدي(12)، و إلمور ليونارد(13) كلهم عملوا لفترات طويلة في التسويق. كُتّاب آخرين يقومون بالتدريس. لعل هذا هو الحل الأكثر شيوعاً اليوم، مع توفير كل جامعة كبري و حتي كل كلية صغيرة للبرامج المُسماه بالكتابة الإبداعية، يجتهد الكتاب و الشعراء لتدبير مكاناً لأنفسهم. من يمكن أن يلومهم؟ ربما لا تكون الأجور كبيرة، لكن العمل ثابت و الساعات طيبة.
مشكلتي أنه لم يكن لدي أي اهتمام في أن أعيش حياة مزدوجة. ليس لأنني غير مستعد لأن أعمل، و لكن فكرة التعلق بعقارب الساعة في وظيفة من 9-5 كانت لا تناسبني، خالية تماماً من أي حماس. كنت في أوائل العشرينات وقتها، و شعرت بأنني صغير جداً علي الأستقرار، مليئاً جداً بالخطط الأخري لكي أذهب و أضيّع وقتي في كسب المزيد من الأموال الزائدة عن حاجتي. الحياة كانت رخيصة في تلك الأيام، و في ظل عدم مسئوليتي عن شخص أخر سواي، فكرت أنه يمكنني العيش علي عائد سنوي تقريبي من ثلاثة الالاف دولار.
جربت الدراسات العليا لمدة سنة، و لكن هذا فقط لأن جامعة كولومبيا عرضت عليّ زمالة مجانية و ألفين دولار كراتب-ما يعني أنني في الحقيقة كنت أقبض مالاً من أجل المذاكرة. حتي في ظل تلك الظروف المثالية، أستوعبت سريعاً أنني لم أرد أن أكون جزءاً من تلك المنظومة. لقد حصلت علي كفايتي من الجامعة، و فكرة قضاء خمس أو ست سنوات أخري كطالب كانت أشبه بقضاء الموت بالنسبة لي. لم أكن أريد الحديث عن الكتب بعد الآن. كنت أريد أن أكتبهم. من حيث المبدأ، بدا لي من الخطأ لكاتب أن يختبأ في جامعة ما، أن يحيط نفسه بالكثير من الأشخاص المتشابهين معه عقلياً، و أن يرتاح أكثر من اللازم. الخطر كان التهاون، و عندما يتهاون كاتب، فإنه يخسر بجدارة.
أنا لن أدافع عن الأختيارات التي قمت بها. لو لم يكونوا عمليين، فالحقيقة أنني لم أكن أرغب في أن أكون شخصاً عملياً. ما أردته هو خبرات جديدة. أردت أن أخرج إلي العالم و أختبر نفسي، أن أنتقل من هذا إلي ذلك، أن أكتشف بقدر ما أستطيع. طالما أبقيت نفسي علي قيد الحياة، فإن كل ما يحدث لي يمكن أن يكون مفيداً كما فكرت، يمكن أن يعلمني شيئاً جديداً لم أعرفه من قبل. لعل ذلك يبدو مدخلاً عتيق الطراز للأمر. الكاتب الشاب الذي يودع العائلة و الأصدقاء و ينطلق في طريق مجهول لأكتشاف المعدن الذي صُنع منه. علي كل حال، أشك أن هناك مدخلاً أخر كان يلائمني. كنت أملك طاقة، رأس يفيض بالأفكار، و قدمين حكاكتين. بالنظر إلي مدي كبر حجم العالم، فإن آخر ما أردته هو أن أسير بجوار الحائط.
 * * *
 يتبع،

..............
(1)    كتاب قصير غير روائي لبول أوستر، يحكي من خلاله بأسلوب أدبي فريد و سلس قصته خلال رحلة فشل مبكرة ككاتب شاب في العقد الثالث من العمر؛ ينتقل فيها من وظيفة لأخري، و يتنقل عبر أمريكا و أوروبا مستكشفاً نفسه و حقيقة معدنه و مكانه في العالم. كتاب أدبي مميز حافل بقصص جميلة لشخصيات غريبة، نتعرف منه علي العوامل المؤثرة في تكوين شخصية و نفسية كاتب مثل بول أوستر. كتاب يعتبره الكثير من النقاد مهماً للكتاب الشبان لمساعدتهم علي تخطي العقبات الأولي في حياتهم. نُشر في الولايات المتحدة عام 1996.
(من اليد إلي الفم) الترجمة اللفظية لعنوان الكتاب (hand to mouth)، و هو مصطلح يُقصد به : العيش علي الكفاف.(المترجم).

(2)    بول أوستر : روائي أمريكي غني عن التعريف، يعتبر واحد من الكتاب الأمريكين القلائل المُحتفي بهم –نقدياً- في حياتهم. و لد عام 1947 في نيوآرك، نيوجرسي، و يعيش حالياً في بروكليين، نيويورك، مع زوجته الكاتبة سيري. من أشهر أعماله : ثلاثية نيويورك 19987، موسيقي الحظ 1990، حماقـات بروكلين 2005، حديقة الغروب 2010. ترجمت أعماله لأكثر من ثلاثين لغة.(المترجم).
(3)    لا يُمكن نشر هذه الترجمة في أي مطبوعة ورقية إلا بالإتفاق مع المترجم.
(4)    ويليام كارلوس ويليامز : شاعر حداثة أمريكي (1883-1963). كان طبيب أطفال ناجحاً بجوار كتابته للشعر. كتب أيضاً القصة و الرواية و المسرحية و المقال، و عمل بالإشراف و التدريس للشعراء الشبان.(المترحم).
(5)    لويس- فيردناند سيلين : روائي فرنسي (1894-1961) حصل علي اسمه الأخير من جدته. يُعتبر من أفضل الكتاب المؤثرين في القرن العشرين. أشهر أعماله رواية رحلة إلي أخر الليل نشرت عام 1932.(المترجم).
(6)    والاس ستيفنز : شاعر أمريكي (1879-1955) فاز بجائزة بوليتزر للشعر عام 1955.(المترجم).
(7)    تي.إس.إليوت : الشاعر الأمريكي الشهير، أهم شعراء القرن العشرين، غني عن التعريف. (1888-1965). جائزة نوبل في الأدب عام 1948.(المترجم).
(8)    جاك دوبين : شاعر و ناقد فرنسي ولد عام 1927. أسس جريدة  L'éphemère. يعمل مدير لمعرض Galerie Maeght للفنون. (المترجم).
(9)    ويليام برونك : شاعر أمريكي (1918-1999). فاز بجائزة National Book Award عام 1982. (المترجم).
(10)دون ديللو : روائي و كاتب مسرحي أمريكي (1936- الان). (المترجم).
(11) بيتر كاري: روائي و كاتب أسترالي (1943-الان). حصل علي جائزة المان بوكر عام 1988. (المترجم).
(12)سلمان رشدي : الروائي البريطاني ذي الأصول الهندية الشهير، صاحب الرواية المثيرة للجدل (آيات شيطانية) 1988، و التي جلبت عليه عنفاً طويل الأمد من الأصوليين أجبره علي قضاء حياته متخفياً عن الأنظار لمدة عشر سنوات في حماية الشرطة البريطانية بعدما صدرت فتوي بإهدار دمه في إيران. حصل علي عدد كبير من الجوائز، منها جائزة المان بوكر البريطانية عن روايته (أطفال منتصف الليل) 1980. كان صديقاً لبول أوستر، و قد كتب له أوستر نصاً يشاركه محنته بعنوان a prayer for salman rushdie  منشور في كتابه "النوتة الحمراء".(المترجم).
(13)إلمور ليونارد : روائي و سيناريست أمريكي (1925-الان). تحولت روايته لأفلام و مسلسلات تليفزيون شهيرة مثل be cool و justified. (المترجم). 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق