الأربعاء، 19 ديسمبر، 2012

أوقات قلقة | مقتطفات

(في الظهيرة أستند علي عربة تين شوكي منتظراً المواصلات. أراقب فحلاً يتجه للجامع ورائي وبينما يفعل، يهمس بكلمات قبيحة في أذن فتاة تنتظر بدورها بقربي. استدارت له الفتاة وصاحت بصوت ضجر : <<خير يا حيلتها؟>> وقد أحضر هذا ابتسامة لوجهي، وددت لو أحضن الفتاة و أقول لست أتحرش إنما أبدي احتراماتي لجلالة صوتك. اجهروا، هذا ما أقوله. وقد ملّت الفتيات من السفة الكامن تحت عفن مجتمعنا. ارتبك الفحل، وكانت ارتباكته في وثبة عينيه لباقي المنتظرين علي الرصيف. ولما قد رأوا كلهم ما يحدث. ولم يحرك أحد منهم ساكناً، عادت عيناه الغبيتان إليها بشهوانية و اقد اكتسبتا لؤماً وشرعية. الغباء و الشهوانية مركبان غاية في السوء، ناهيك عندما يكتسبا صك السماحية من المجتمع. أدارت الفتاة له ظهرها في نفس الضجر، بعد أن رمقته بنظرة منهكة من نظرات نهار رمضان حولته إلي قئ في نظري. ظل الفحل قدماً في المسجد وقدماً خارجه وشفتين تقطران بالسفه مع اللعاب، مستخدماً باب المسجد الخشبي لإخفاء نصف وجهه أو للاحتماء.. وكأن أحداً لن يجرؤ أن يناله هناك. وقد بدا لي هذا بدء طريق التخلص من ازدواجية المجتمع المصري. هذا هو وهم التدين وواقعية التحرش في بقعة واحدة. أحببت ابن العاهرة هذا، وأردت جزءاً لي منه. وعندما سقط تحت وطأة اندفاعي به لداخل المسجد كانت قبضتي في أسنانه، وقد حظيت بثماني عشرة لكمة رائعة قبل أن ينتبه رواد المسجد لما يحدث ولمظهري ويلقوني خارجاً، ناعتين إياي بالألفاظ. وبينما أتجه للفتاة خلعتُ الخواتم المعدنية الملوثة بالدماء من بين مفاصل أصابعي ولففتهم في منديل ووضعتهم في كفها. قلت: استخدمي قبضتك وليس صوتك.) ...
....
...... (كي أعبر الطريق لمقر عمل موريس، آخ.. إنها مأساة. ما إن يري السائقون مظهري الرقيع حتي يدهسونني، أحياناً يفعلونها لاشعورياً كرد فعل جمعي اجتماعي، وأحياناً يتعمدون. وكنت أقف علي جانب الطريق أتحين اللحظة المناسبة للعبور، وكأنني بصدد عبور بارليف. أعبر حاسباً المسافة، وأقول إن شاء لن يصدم حوضي و يهدد رجولتي. لكنه يبطئ بسيارته وأعبر بينما أومئ له وأحرك شفتي أن: شكراً. شكراً أنك أبطأت لرقيع مثلي بمرطب علي شفاهه في وطن لا يجد ثلثه الطعام؛ شكراً أنك تحملت أخاً في الوطن، و أعدك أن أحمي هذه الأرض من أجلك  و أجل أولادك. لن أرمي ورقة واحدة في الشوارع؛ سأفعلها من أجل أحفادك. لن يتجول دخان سجائري في الصحراء للشباب، لن أدعم الصناعات الأسرية الصغيرة، ولن أفرض العزلة الاقتصادية حتي نستمر في الاستيراد والاستيراد والاستيراد. الاستيراد والبلع-لذلك التغوط هو الفعل القومي الأكثر شعبية، وإن الناس ليتحدثون عن ذلك طوال الوقت، يقولون: تغوطتُ البارحة، وأنا جيد في التغوط، ولديك دواء للإمساك؟ 
<<شكراً إنك قلت شكراً!>> أسمعها وأستدير لصاحب السيارة الذي أكمل طريقه مسرعاً. وضعت يدي علي قلبي متأثراً؛ هذه البلاد اللعينة وما تفعله بي. إنها تخلخل تربتها.. وأنت تقفين علي أسفلت بلادك كمن تقف علي رمال متحركة. نحن الانتقاليون؛ صورة مجمعة من كابوس الماضي وحلم المستقبل.. لذلك وجودنا في الحاضر متذبذب، محرف.. كأننا صورة ثلاثية الأبعاد. نحن أكثر مراحل التطور قلق ونكداً وهواجس وكآبة، ولكننا التطور ذاته. وقد تكونين الزرع الذي يُحصد الآن مستقبلاً، لكن جذورك لاتنفك تنغرس أكثر في الماضي لتثبيتك، ولربما لو أدك. آلام النمو في حالة كهذه هي أصعب الآىم؛ أيتها الكاهنة، ماذا ستفعلين؟ ) ...
......
...... (أصبحتُ أرتدي البياض مؤخراً، خصوصاً ذلك الشميز النسائي الذي اشتريته من إحدي محال شارع جيهان، وقد لحظتُ كيف سماه التبارع بشارع جيجي، وسررتُ لمعرفة أنه لا شارع واحد في مدينتك يدعي سوزان. أنتم قوم تعرفون كيف تختارون أسماءكم، أمنحكم هذا. تسألني فتاة المحل: أتشتريه لخطيبتك؟ فأؤمئ أن نعم، وأقيسه معجباً بطوله الذي يصل لمنتصف عظمة فخذي. لم لا يرتدي الصبية هكذا؟ أبدو كـ"برنس" المدينة الضائع في الزحام. أسأل الفتاة عمن وضع الملابس في المحلات و قرر علي من أن يرتدي ماذا. اسألها: من أين تأتون بهذه الملابس؟ تقول: نستوردها. لا، بل يستوردها موزع ونشتريها منه. في الواقع، وبعد تفكير، فإن موزعاً أجنبياً يشتريها من المصنع الأب و يبيعها للموزع الذي يوردها لنا. أقول: وأنا أدفع لكل هؤلاء. أنا سمكة في بطن سمكة في بطن سمكة في بطن سمكة في بطن حوت. أقول: لو صنعت لي واحداً لاشتريته منك بنفس الثمن، ولكان مكسبك أضعاف مكسب هؤلاء. تسألني: أتشتريه مني؟ أقول أفعل. أقول: قد لا تعرفين كيف تخيطين أو تصممين ملابس، ولكن جربي وابجثي علي الانترنت، أياً كان ما ستفعلينه فسآخذه منك. بدلاً من الهستيرية النسوية وأمواج الابتسام والضحك، تغرق ملامحها في الجدية وهي تقيس بنظرها طولي وعرضي، تقول: أتريده يشبه هذا الذي تقيسه؟ أقول: ربما، واجعليه يليق بي، اجعلي به أكبر كم من الأخطاء. أما وقد رأيتني فإنها ميزة لا يعرفها مستوردو الملابس المقلدة بالجملة، وهم يرسمون للمستهلكين كيف يجب أن يكونوا؛ حقاً ترتدي الفتيات هذه الأزياء؟ تشير بأطراف أصابعها وتقول: اذهب الآن وتعال قبل العيد ولنر. تقول: <<لوعرف صاحب المحل أني تركت رجلاً يستخدم "البروفات" للقياس لطردني، ولكني سأصنع لك "شميزاً" رائعاً، ستود خطيبتك لو تجربه.>> وتمط شفتيها في ابتسامة ملولة متسلية. الفتيات هنا لطيفات وقد فهمت أنكن سليلات شجرة الدر، و أن من لا يعجبكن علي الأرجح تضربنه بالقبقاب. )....
....
......(ما الذي يحدث هنا؟ الجميع لا يردك أن ترفعي رأسك وتسألين سؤالاً مماثلاً، حتي من أتيا بك إلي هذه الدنيا يرتعبان من لحظة كهذه. قرآن ما قبل المغرب، وألج مدخل العمارة كي أفاجأ برجلين يدفعانني إلي حيث ألقي بالطعام للصراصير. <<أنا لوطي يابن المرأة؟!>> قدرتُ أن أحدهما من سبني البارحة فأكدت له سبته. لكمني فانطرحت أرضاً، والانطراح أرضاً ليس جيداً في هذه الأوقات التي نعيشها، ولم يكن ينبغي بي أن أسقط في هذه البقعة بالذات لأن فيضاناً من الصراصير أصابه الذعر. دهساني بأرجلهما تماماً كما كان يفعل أمناء الشرطة معي في العصور الغابرة، عندما سمعت السؤال من وراءنا: <<ما الذي يحدث هنا؟>>
فتاة السطح، وصوتها هادئ ضجر كعادة الفتيات هنا، تقف في مدخل العمارة مرتاحة كلياً في تواجدها - لم تكن مثلك شاحذة دفاعتها مع كل زفير، في الواقع كانت تبدو وكأنها مخدرة. <<اذهبي إلي حالك يا أبلة. الله يسهل لك. لا شئ هنا للفرجة>> قالا يهشانها بأذرعهم فارتكنت علي البوابة المعدنية بكتفها: <<لا. أريد أن أتفرج.>> انطلقت ضحكتي الرقيعة الماجنة علي ضجرها وهدوء أعصابها، والتفت الرجلان ناحيتي ورأيا جحافل الصراصير تنز من تحت قدمي باتجاههما: <<آه يا ابن النجسة!>> تقافزا واندفعا ناحية البوابة وكان مدفع الإفطار ينفجر بالخارج. <<سنتركه هذه المرة من أجلك يا أبلة، ولأننا في رمضان>> ولكنها تحاول سد الطريق عليهما، تقول: <<لا تفعلا، أرجوكما واصلا>> نظرا لها كما يُنظر للمخبولة ودفعاها وانطلقا. ست عشرة ساعة من الصيام ليست مزاحاً علي روح وجسد بشري - ليس في جو كهذا، وليس في حالة قومية كهذه. ليس مع أناس مثلنا لا يؤمنون بالرفعة الذاتية و تشذيب الروح. نحن كشعب  بالتأكيد في مرحلة اختبار البلوغ. قمتُ مبتعداً قدر إمكاني عن أي صرصار قد تشاء الصدف أن يمسسني، ثم انحنيتُ للأنسة حتي لامست جبهتي وظهر يمناي الأرض؛ قلت: شكرا مودموازيل، علي ما يبدو قد أنقذت حياة رقبع آخر يجول الطرقات، وأتمني أن تكون الجياة جيدة معك. واعتدلتُ وكأنني مثلت لتوي مشهداً في فيلم لـ فِلليني، ثم اتجهتُ لباب حجرتي الغائص تحت الأرض. ياللعته! كل هذه الجروح التي تسبب بها المعتديان والتي تحتاج تطهيراً؛ ..............)
.......
.........(.... أنا مُنهك، متعب ومُنتهك.. وسئمت من إعادة ترميمي كي يُعاد انتهاكي من جديد. لا تعرفين الأفكار التي تجول بذهني عندما أطهر جروحي. أسكب المالح علي الشقوق المدماة، أغطيها وأنتظر أن يلتئم اللحم تاركاً ندبة. كل شئ غرائبي الآن. أضع رأسي علي الوسادة وأنام.)

أوقات قلقة
جهاد الطنباري