الثلاثاء، 13 سبتمبر، 2011

هكذا كانت الوحدة

توقفت عن الكتابة عن الروايات التي تعجبني، ربما لشعوري بأننا ننتقص من قيمة تلك الروايات بالكتابة عنها، خاصة لو كانت روايات عظيمة. لكن هذه الرواية، رواية "هكذا كانت الوحدة" للروائي الإسباني خوان خوسية ميّاس لم أتمالك نفسي حيالها، و وجدتني أكتب تلك الكلمات فور الإنتهاء من قرائتها، و في ذهني تذكير لنفسي بتجنب الحديث عنها بشكل مباشر، و محاولة التركيز علي تفاعلي معها كنص محايد. فالحقيقة هي أنني تفاعلت معها، تفاعلت معها جداً، و علي نحو لم يحدث منذ مدة.. بخفة شديدة تلاشت جدران حجرتي، و بخدر لذيذ أنسللت إلي عالم من الكآبة و التوحد و الظلام المدريدي، بطلته السيدة إيلينا التي كشفت لي -و محيطها الأجتماعي- عن عيوب فاجعة في الجنس البشري كجنس. و في الإنسانية كمجتمع و روابط، و علاقات ذات توقعات ثقيلة يلقي بها كل طرف علي الطرف الآخر. 
أعرف أنني رأيت في النص ما هو أبعد من الكلمات المسطورة، و هذه هي متعة الأدب، و لكن مشكلتي أنني أحياناً لا أشعر بنفسي.. فأحياناً مثلاً أُعيد قراءة أمريكانلي و أحس قصوراً في الأسلوب، أو مشكلة في البناء، و أفكر أنني قد توحدت مع حالة النص في قراءاتي السابقة إلي حد التغافل عن العيوب. حاولت التخلص من هذه الحالة في "هكذا كانت الوحدة"، خاصة مع بداية الجزء الثاني من الرواية بعد أن أستعدت شيئاً من إتزاني، لتكوين وجهة نظر محايدة حولها.. و أستطعت أن ألحظ إقتضاباً سردياً في عدة مواضع، و رحت أفكر: لم فعل ميّاس ذلك؟ لم أكن في موضع يسمح لي بالإجابة، فلست مُلماً بعوالم ميّاس، و الرجل نفسه يُعد فقط تجربتي الثالثة في الأدب الإسباني بعد سيرفانتس و لوركا، فلم أجد ما يُمكن إيعاز ذلك الإقتضاب الواضح إليه سوي حرصه مثلاً علي تعزيز نفسية الإكتئاب داخل النص، خاصة في الجزء الثاني و الذي تروي فيه البطلة الأحداث بضمير المتكلم، و لكن لماذا في الجزء الأول أيضاً؟ حَيرتني هذه النقطة كثيراً، و تجاوزت بتفكيري إلي حد افتراض أن ميّاس كان يتجاوز كل عقبات اللغة و الفهم بهذا الإقتضاب المقصود. ربما لو وصف كل شئ تفصيلياً في المواضع التي لحظت فيها إقتضاباً لما بدت الصور بهذا الوضوح أمام مخيلتي، و لما تكونت بذات الطريقة و التموضع اللتان تكونتا بهما في رأسي. ربما.
خلب لبي تناول ميّاس لموضوع المتحري الخاص الذي تستأجره إيلينا لتجعله يراقبها. و كان من الطبيعي بالنسبة لي أن تتكون المقارنة تلقائياً مع بول أوستر الذي قتل موضوع التحري الخاص قتلاً في "ثلاثية نيويورك"، و بينما ظننت أن أوستر كان قد أثار في ذهني كل الأسئلة و كل الأفكار الممكنة حيال نفسية المتحري الخاص الذي يراقب الناس سراً، و من كل الزوايا و وجهات النظر، إلا إن تناول ميّاس للموضوع في هذه الرواية -علي اختلاف منظوره- قد أثار فيّ تساؤلات جديدة، خصوصاً مع طلب إيلينا للمحقق بأن يكون "ذاتياً جداً" في تقاريره التي يرسلها عنها. في الجزء الثاني من ثلاثية أوستر "الأشباح" نستنتج أن بلاك هو المُستأجر لـ بلو لكي يراقبه، و لربما كان يتخذ من مراقبة بلو الدائمة و المستمرة له دافعاً لإكمال كتابه و الأنتظام الصارم في الجلوس يومياً علي المكتب في حجرة مغلقة و الكتابة بلا انقطاع. كان بلاك يعرف أنه مُراقب طوال الوقت، و كانت تقارير بلو تؤكد له ما هو قائم، و لكنه أبداً لم يطلب من بلو أن يكون "ذاتياً جداً" في تقاريره هذه.. "ذاتياً جداً".. ترن الكلمة في رأسي. كم أحسد إيلينا علي تلك المتعة! ما أمتع أن تحصل علي تقارير حيال أفعالك اليومية، تقارير تتصف بالذاتية حيث يرد فيها رأي المراقب في ملابسك، أو انفعالاتك أو نفسيتك. قضية التحري قضية تستحق التأمل. لا أعرف من تناولها عربياً سوي محمد سليمان في قصة قصيرة له اسمها "مغامرات عين"، و أعرف أنني سأكتب عن الموضوع ذات مرة، و ربما ذهبت إلي ما هو أبعد: تجربتها علي أرض الواقع، و لكني لست واثقاً في أي موضع أحب أن أكون؛ المُراقِب، أم الشخص الموضوع تحت المراقبة. 
وحدة إيلينا نالت مني بشدة. و تردد صدي جُملة باموق في أعماقي: أن المرء يبدأ موته بموت والده. إيلينا تبحث وحدها عن حقيقتها، بينما كل من حولها مشغولون بجمع المال، و بأوضاعهم الإقتصادية، و يتهمونها بالبرود. إيلينا في طريقها للموت و هي تقرأ مذكرات والدتها، لولا أنها تبدأ بدورها في كتابة مذكراتها، و هو فعل له تأثير السحر عليها.. و علي كل من يجربه بالتأكيد، فلا شك لدي أن الإخراج الكِتابي داعم عظيم للنفس، فحتي لو كتبت تصف اللحظة التي تعيشها و هي أشد لحظاتك حزناً و اكتئاباً، فأنك ستقوم شاعراً بتحسن ما. هذا هو ما أنقذ حياة إيلينا في مشهدها الأخير و هي تجلس في الشرفة تشاهد مشاجرة بين رجلين في الشارع.
أنقذ إيلينا و أنقذني معها، و ثبت في يقيني المصدر الأساسي لكل أحاسيس الغربة و التوحد لدي الإنسان، المصدر الأساسي لكل الأمراض النفسية، و الأوجاع الداخلية: "العائلات كنظام اجتماعي."  

أنتهيت من الحديث عن الرواية. و يبقي الإشارة إلي التصدير الذي أورده ميّاس في مقدمة الرواية: فقرة من "المسخ" لفرانز كافكا. و إشارة لها هنا أو هناك داخل الرواية نفسها. كان تأثير كافكا حاضراً و بقوة في الرواية، بما يستجلبه اسمه من أفكار و أحاسيس: التغريب، الضعف، الكابوسية، الحساسية، المعاناة، و المرض. 
في موضع ما من الرواية توقفت و تساءلت حول ما إذا كان فرانز كافكا هو الأدب؟  

هناك 3 تعليقات:

  1. مقال رائع ومدونة ممتازة شكرا لك وبالتوفيق ....

    ردحذف
  2. أعتقد أن هذا المقال من أفضل ما قرأت عن الرواية، الغريب أنني لم أكن متحمسة لها في البداية بعد ترشيح من صديقة لكني عندما أنهيت الفصل الأول وجدتني أشعر بالفضول لمعرفة ما سيحدث بعد ذلك وأنهيتها في وقت قياسي بالنسبة لأن كل قراءاتي تتم في المواصلات أو المراقبات

    لغتك هنا جميلة وسلسلة ..

    "فلم أجد ما يُمكن إيعاز ذلك الإقتضاب الواضح إليه سوي حرصه مثلاً علي تعزيز نفسية الإكتئاب داخل النص "
    بالضبط ! هذه الجملة هي قلب المقال

    سؤال أخير ، لماذا هذه الرواية بالذات ؟ أم أن الاختيار كان عشوائياً ؟

    ردحذف
  3. لا اوريد التحدث كثيرا هكذا اصبحت وكانت وحدتى ........
    لماذا سميت هكذا كانت وحدتى ..؟

    ردحذف