الاثنين، 11 أبريل، 2011

غرفة طوارئ

بمناسبة عرض الجزء الثاني من "لحظات حرجة" علي تليفزيون دبي، تذكرت هذه المسودة التي كتبتها في 2007 عن مسلسل يتحدث عن عالم طب الطوارئ علي غرار ER..لم أكملها لأنها لن تذهب أبعد من ذلك "مسودة في ملف منسي". سأنشرها الآن و أطلب رأيكم، خاصة أن الكتابة في "لحظات حرجة" سيئة جداً فعلاً، ولا أعرف السبب، برغم أن فريق الكتابة يضم د.تامر ابراهيم، و أحمد حسب النبي. بينما الإخراج يقوم به أحمد صالح، فلا أعرف السبب الحقيقي في كون الحلقات تخرج بهذا الشكل غير المتقن. 
................
غرفة طوارئ - اسم مؤقت 
الحلقة الأولي 
وجوه جديدة 
1-      الأول
مرحباً بكم ..اسمي (حازم عبد الهادي) ،22 عاماً ، طالب طب بالسنة الرابعة ، بالأحري لقد أنهيت السنة الرابعة بالفعل في الفصل الدراسي المنُقضي ، أهوي الفلسفة ولي عدة اتجاهات فلسفية ورؤي مبتكرة تنشرها لي بأستمرار احدي الصحف الخاصة ، أعيش وحدي في شقة صغيرة بالهرم ، العام الماضي كنت العاشر علي دفعتي  بالرغم من انني لا أحضر كثيراً فأنا بطبعي لا أحب القيود ، وأهوي المطالعات الخارجية حتي ان جُل ما تعلمته في الطب كان خارج الكلية .
هذا الصيف سأعمل في مستشفي حديث انتهي تشييدة منذ ثلاث سنوات فحسب في موقع ممتاز بأحد مياديين العاصمة المزدحمة..
هذه المستشفي خليجية التمويل ولكن يديرها ويعمل بها مصريون ، ويوجد بها أحدث الأجهزة العلمية ، وأحدث غرف العمليات كاملة التجهيز ، كما انها مشيدة علي أحدث النظم المعمارية المتبعة عالمياً..
تتكون المستشفي من سبعة طوابق عملاقة ، شاهقة البياض من الداخل والخارج ، يحتل الطابق الأرضي منها قسم استقبال طوارئ ممتاز يعمل أربعة وعشرين ساعة لعلاج حالات الطوارئ المختلفة التي ترد في أي وقت ومن كل مكان ..
طاقم العمل بالمستشفي مدهش فهو يجمع الأبرع والأفضل والأسرع لذا أجد انني محظوظ  جداً للعمل والتعلم من هؤلاء الأساتذه الكبار..

دعوني أعرفكم علي الطاقم الأساسي للمستشفي ، علماً بأنني أعمل في قسم الطوارئ ، لأنني لم أتخصص بعد..
-     د.(تيسير حشاد) مدير المستشفي ، وهو طبيب أكاديمي نظري في فرع الصحة العامة ، هيئته مضحكة نوعاً ما فهو بدين ، شعره القليل مشعث ، مُغرَق دوماً بالعمل ، وليس لديه دقيقة واحدة يمنحها لك .
-     د.(كمال عبد الحميد) نائب المدير ، وهو علي عكسه تماما في كل شئ بدءاً من المظهر ، فهو طويل القامة إلي حد مدهش ربما مضحك ، انحصر شعره في فودين أشيبين عملاقين ، وانتهاء بالشخصية فهو ودود طيب القلب لا يبخل عليك بعلم أو مجهود او خدمات ، وهو بالمناسبة طبيب تشريح عالمي ومدير المشرحة بالطبع .
-     د.(كوثر) رئيسة قسم الطوارئ ، وهي صارمة كالجنرالات مع طاقم العمل ، تتحرك بسرعة مذهلة وتجدها في كل مكان تصدر الأوامر أوتوجه الإرشادات ، وهي طبيبة طوارئ ممتازة وتعتبر مرجع بشري حقيقي .
-     د.(حافظ صلاح) طبيب طوارئ ، ريفي المنشأ ، عمل لسنوات في طنطا والمنصورة والغربية التي تعود إليها جذوره ، وهو شهم ذو أخلاق رفيعة ، لكنه منطو نوعاً ما وتشعر كأن له عالمه الخاص ولهذا هو لا يتدخل في شئون غيره أبداً ، ولهذا أيضاً أحببته وشعرت بالأرتياح إليه .
-     د.(فريدة) رئيسة عيادة الأطفال التي ترتبط بغرفة الطوارئ بممر قصير ، وهي امرأه متزوجة من طبيب اطفال أيضاً لكنهما لا ينجبان لأسباب ربانيه ، وهي متقدمة في العمر شكلياً لا واقعياً ، نحيلة كالممصوصة ، مشعثه الشعر ، تلهث دوماً علي نحو يشعرك انها قادمة من ماراثون عدو ، أعتقد انها تخيف الأطفال أكثر مما تداويهم .
-          د.(محمد عبد الهادي) جراح قلب شهير ، وأستاذ زائر بمعظم الجامعات العربية وبعض الجامعات الأوروبية ، لا يعمل في المستشفي بأنتظام ، لكنك ستلمحه كثيرًاً في الجوار يجري كشفاً علي مريض قلب أو يلقي محاضرة بقاعة المحاضرات ، لا تنس اننا في مستشفي تعليمي أيضاً ، لهذا السبب أنا هنا.
-     د.(إيهاب مسعود) أيقونة المستشفي اللامعة ، طبيب مصري حاصل علي شهادة الطب من جامعة (عين شمس) ، وتخصص في طب الطوارئ في (ألمانيا) وعاش هناك فترة طويلة عمل خلالها بغرف الطوارئ الألمانية ، وهو متزوج من طبيبة ألمانية لاتعمل ، وسيم ، لامع ، براق ، مدهش بغزارة علمه وحضور ذهنه ، لكن هناك شائعات تتردد أنه سيعود إلي (ألمانيا) ثانية لأن زوجتة لم تحب الحياه في مصر.
-          د.(بسنت) طبيبة طوارئ ، وبطلة رياضية في كرة السلة ، لم تتزوج بعد ، خفيفة الروح ، باسمة المحيا .
-     د.(ياسين عبد الوهاب) أحد أقدم أطباء الطوارئ في مصر ، وهو كابوس طلبة الطب المتدربين فهو مسئول عنهم ، ضخم الجثة بشكل مرعب، لا يكف عن الصراخ أبداً ، يقولون انه درس في (أمريكا) لكنني أشك في هذا .
-          (شيماء) الزميلة اللدودة ، الأولي علي دفعتي ، وطبيبة المستقبل الصاعدة ، بيننا اهتمامات أدبية وفلسفية مشتركة .
-          (نديم) الزميل اللدود ، الثاني علي دفعتي ، رقيق كالأطفال ، هادئ كالحمام ، شارد كالظلال ، وبالمرة هو وسيم كالنيام .
-          د.(نيفين) طبيبة التخدير اللامعه ، وهي رقيقة ، لطيفة ، بارعة .
هذه هي الأعمدة الرئيسية التي لا يمكن أن تتحرك دون  ان ترتطم بواحد منها ، وهذا هو عالمي الجديد الذي سأعمل وأتدرب فيه في السنوات القادمة بإذن الله ..
* * *
اليوم الأول..غرفة الأطباء..د.(ياسين) يحدق بنظراته الحارقة من خلف العوينات الكبيرة التي يضعها ويخلعها مئه مرة في الدقيقة ، في طلاب الطب الأربعة الجدد ، (نديم)
بوسامته الخائلية ، وذقنة النابته ، وعينيه العسليتين ، و(شيماء) العملية جداً بمنظارها الدقيق ، وشعرها المعقوص ، ثم طبيب الإمتياز الوحيد د.(عبد الرحمن) الذي لا أعرف عنه أي شئ حتي الان ،والذي أشك في كونه طبيب امتياز فعلاً ما لم يكن خريج عام 78 بذقنه الكثة التي تكثر بها الشعيرات البيضاء ، وشعر رأسة الخفيف كذلك ، وملابسه التي تنم عن عدم الاكتراث ، ثم أنا بملابسي العصرية التي تطل من خلف البالطو الأبيض ، وشعري الطويل المصفف علي طريقة العالم الجليل (فرساتشي) !
-          مرحباً بكم معنا !
يقولها د.(ياسين) ، وهو يبدو كمن أقنع نفسه بمظاهرنا أخيراً ، ثم إنه خلع منظارة الأثير ، وأردف :
-     كما علمتم سأكون أنا المشرف عنكم خلال عملكم بغرفة الطوارئ ، ولهذا أحب أن تعلموا انني لا أقبل الاخطاء بتاتاً ، وأعاقب المتهاون أو المُقصر فوراً !
ظل (نديم) و(شيماء) علي صمتهما الجاد ، وكذا فعلت أنا إذ لم أجد ما يُقال ، في حين انطلق لسان د.(عبد الرحمن) بود وسذاجة ليقول :
-          بإذن الله سنقضي هنا وقتاً ممتعاً كأسرة واحدة !
هذا كلام يُقال في الرحلات النيلية ، أو رحلات حديقة الحيوان المدرسية ، وليس في مكان العمل !
ولكن يبدو أن د.(ياسين) لم يأبه لهذا ، فقد أردف وهو يضع منظارة (!) :
-     انا في استراحة غذاء الان لمدة نصف ساعة ، أريدكم أن تأخذوا جولة في المستشفي لتتعرفوا علي طاقم العمل ، ثم سأمر عليكم لتوزيع جدول المهام..
ثم صرخ فينا فجأة :
-          هيا ، تحركوا من هنا..
فأسرعنا نهرول خارجين ، ماعدا الدكتور (عبد الرحمن) الذي أصر أن يستأذن في ود وسذاجة :
-          عن إذنك يا دكتور ، السلام عليكم ..
لم ير أي منا ما حدث بعدها ، فقد كانت نتيجة اللقاء الأول كالمعتاد حاسمة ، وانقسمت الجبهات لأثنين ، أنا و(نديم) و(شيماء) بحكم زمالتنا وصداقتنا وتقاربنا في العمر ، و(عبد الرحمن) في جبهة أخري..
هكذا افترق ثلاثتنا يحاول مد يد العون في مكان ما..
اقتربت من طفل يجلس بصمت علي منضدة الفحص ، ولم أكد المسه حتي شعرت بمن يزيحني جانباً ، وينحني للصق السماعه بصدر الطفل ، وقبل أن أعي ما يحدث باغتني بالسؤال ، بالأحري باغتتني :
-          أنت واحد من الأطباء الجدد؟
قلت في ابتسامة متكلفة :
-          أجل ، اسمي (حازم) ..
واصلت الاستماع إلي صدر الطفل الصامت ، ثم تذكرت أن ترد علي فقالت :
-          اسمي الدكتورة (بسنت) ، هل استلمت جدولك اليوم؟
كان هذا لقائي الأول بها ، وقد بدت لي مدهشة ، فهي طويلة القامة بشكل لم اعتده في القتيات ، حتي أنها تقاربني طولاً أنا الذي اعتبر نفسي فارع الطول ، محجبة ، نشيطة ، لا يحيط بأصابعها أي قيود ذهبية..
-          كلا ، ليس بعد..
لتبادرني ناهضة من انحنائها ، مُشيرة بالسماعه إلي الطفل :
-          هل يمكنك أن تُشخص هذه الحالة؟
انزلت سماعتي من حول عنقي ، لأضعها علي صدر الطفل بدوري ، فقط لينفجر في نوبة سعال عنيفة ...ابتعدت قليلاً ، وقلت :
-          هذه حالة (تيفود) لا شك فيها ..هذه البقع الوردية علي الصدر.
-          جميل..هل تستطيع أن تصف علاجاً ؟
-          المضادات الحيوية كبداية..لكني أفضل حجزة ، قد يحتاج لنقل دم.
-          جميل..أبحث عن والده ، ستجده غالباً يسجل بياناته في الاستقبال ، لو أحتجت شيئاً سأكون بالجوار .
-          أشكرك.
وهكذا سار يومي بين الحالات التي أخذها تحت إشراف الخمسة الأساسيين(بسنت) ، و(كوثر) ،و(حافظ)،و(إيهاب)،و(ياسين) واللذين لاأملك الا الاعتراف لهم بالكفاءه .
حتي عرفت في نهاية اليوم حل  اللغز الذي ظل يؤرقني..
                                                   * * *
ثماني ساعات من العمل المتواصل..
برغم انني لم أبذل مجهوداً كبيراً بأعتباري مازلت جديداً ، الا انني شعرت بالارهاق الشديد في نهاية مناوبتي ، ولم أكن قادرً علي النهوض من المقعد الذي كنت أجلس عليه بجوار الاستقبال..
مر بي د.(ياسين) بجسدة الضخم ، ونبراتة الجهورية المرعبة ، ولم يكد يراني جالساً حتي صاح بي :
-          هل سنترك أعمالنا ونجلس؟ هل أطلب لك شاياً ؟ هيا..أفسح لي مكاناً بجوارك !
لأهتف ضاحكاً ، وأنا أنهض مبتعداً عن مرماه :
-          فقط هدئ روعك..لقد انتهي عملي هنا .
بصعوبة تخلصت منه ، بعد ان اقنعته ان مناوبتي قد انتهت ، ويبدو انه اعتاد العمل إلي حد فقد فيه الاحساس ببدء المناوبات وانتهائها..
لم يتزوج هو حتي وصل إلي هذا السن ، لذا ليس لديه زوجة أو أطفال ليعود إليهم ، بشكل ما أشفق عليه ، إنه طيب القلب ، حسن النية علي كل حال..
اغلقت الدلاوب المعدني الأزرق الطويل الذي أصبح لي ، والتقطت مفاتيحي ، واستعددت للأنصراف..
تم تخطيط المستشفي علي ان تحوي مكاناً كبيراً لأنتظار السيارات له مدخل فرعي بعد أمتار من المدخل الرئيسي..
انا أملك سيارة (ميني كوبر) أفخر بها، ولقد وضعتها هناك في الصباح بجوار السيارات الاخري..الان حان الوقت للعودة إليها..
فتحت الباب ، والتقطت المنشفة البرتقالية الاثيرة لألمع الزجاج عندما لمحته يحث الخطا في الممر الذي تصنعه السيارات المتراصه علي الجانبين ، لم يكن يراني في البداية في هرولته الشاردة الساذجة نوعاً ، ولكن سيارتي تُضاء من الداخل عندما يظل بابها مفتوحاً ، لهذا رآني ولم يبد مُرِحباً جداً ، لكن فيما يبدو فأن شخصيته لا تسمح له بلقاء شخص يعرفه الا ويلقي عليه التحية اللائقة (!) :
-          السلام عليكم يا دكتور (حازم) !
واقترب مصافحاً ، قد يكون متعجلاً جداً ، وهو الأغلب لكن كما قلت فأن الاجتماعيات مقدسات بالنسبة له..
-          هيه ، دكتور (عبد الرحمن)..
لم يمض لحاله ، وظل واقفاً لحظات في شئ من الحرج ، حتي اضطررت لقول شئ ، أي شئ :
-          هيه ، كيف كان يومك ؟
-          جيد..إنهم ممتازون جداً هنا ما شاء الله لنمسك الخشب ، وسأتعلم منهم الكثير حتماً .
هززت رأسي أن أجل ، ثم ..
-          إذن ؟
ظل ينظر لي كأنما يريد قول شئ ما ، ثم خفض رأسه قليلاً ، وعندما هممت بقول شئ ما..
-          أنا في الــ 37 !
باغتتني عبارته علي غير انتظار ..
اخذت ثواني لأستوعب الموقف ، فيما يحدق في (عبد الرحمن) محاولاً الحفاظ علي ابتسامته الواهيه ..
ليكن ، لقد اختار هو الحديث ولم يطلب منه أحد أخر ، تفسيري لهذا هو الحاجة إلي تبرير النفس لها دوافع عديدة ليس أقلها قلة الثقة بالنفس إن لم يكن انعدامها كالحالة التي  لدينا ها هنا..
-          37 ؟!
هكذا سألته محاولاً انتقاء ألفاظي ، بحذر..
هز رأسه بعصبيه ، وشرع يتحدث بسرعة بالغة :
-          أجل..أجل ، لقد توقفت دراستي وأنا في السابعة عشر ، ثم عدت في الثلاثين لأدرس الطب..!
بحذر، محاولاً انتقاء ألفاظي :
-          ثلاثة عشر عاماً..أين كنت؟
-          في المُعتقل !
حككت أنفي ، وأستندت إلي باب السيارة انظر إليه..
ساد الصمت الطويل ، ثم شرع يروي :
-     كنت أزور صديق في بناية بالـ(البساتين) ، فجأة اقتحمت قوات الحكومة المكان ، ولم أعد أري شيئاً ، وعندما أفقت وجدت نفسي في ألعن مكان علي وجه الأرض ..
كانوا يبحثون عن شخص محدد ، وعندما لم يجدوه أخذوني معهم ، لأنني ملتحي..
لقد كنت –فقط- الشخص الخطأ ، في المكان الخطأ ، في الوقت الخطأ ..!!
أذهلتني الفكرة ، فقلت بدون وعي :
-          13 عاماً ؟!!
أومأ ، وهو يحاول الأبتسام مهوناً علي نفسه :
-          أجل ، دخلت المعتقل وأنا شاب أقرب إلي الطفولة ، وخرجت وأنا رجل في الثلاثين..الحكومة حبائلها طويلة ، أليس كذلك؟!
لم أجد في كياني رداً..
الحقيقة أن موقفي قد تحول كلية تجاهه ، فمن السخرية والأستهزاء ، والريبة ، إلي التعاطف التام ، والذهول ..
تخيل شاباً يافعاً تُسرق منه –بدون أي ذنب جناه- 13 عاماً كاملة ، من أفضل سنين عمره ، ليخرج بعدها إلي الحياه بلا أي خبرات تقريباً..
إنني لأعتبره بطلاً لكونه أنهي دراسة الطب..
-     لم يعد لي أهل ، وليس لي أصدقاء فالكل يتحاشاني كالجذام..ليس هناك زوجة بالطبع،من أين؟...أقيم وحدي في غرفة حي(السادس من أكتوبر)..
وأيضاً لم أجد فيّ أي رد أبلغ من الصمت..
-          يجب أن أذهب ..
أخيراً وجدت الرد :
-          هيه ، هل تريد توصيلة؟
بان عليه التردد ، وهو ينظر إلي سيارتي ..ربما كان يخشي هذه الالات التي تسير بالوقود ، لعله نسي شكلها !
-          كلا ، كلا..أنا أركب المواصلات .
قلت في صدق :
-          هيا ، لا مشكلة..اركب معي !
لكنه رفض من جديد ، وهو يتراجع :
-          كلا ، كلا..أنا أركب المواصلات ، لكن شكراً علي أيه حال..
وقبل أن أتفوه بحرف ، كان قد أستدار وراح يهرول مبتعداً ، أو لعله يعدو..
لم أعد أدري !
* * *
 
2-    الثاني
المستشفي الجديد الذي أعمل به مشرف جداً ، منتهي الدقة والنظافة والنظام ، لم أتصور وجود شيئاً كهذا في مصر ، لي الشرف أن أكون ضمن طاقم العمل هنا ، وأن يرد اسمي في كشف المرتبات..
منذ أول يوم كنت عازمة علي اثبات إنني بارعة وعملية ، وقد أشتعلت المنافسة بيني وبين (نديم) في غرف الصدمات Trauma ، (نديم) مُطاردي الدائم نحو التفوق ، ونحن خارج العمل أصدقاء ممتازون.
في هذا اليوم كنت مُكلفة و(نديم) بالعمل مع الدكتور (إيهاب مسعود) ، وهو شخص مهذب جداً ، ولكنه براق زيادة عن اللزوم كنجوم السينما ، حتي ان (نديم) –رمز الرجولة الرقيقة الوسيمة- بدا رث الثياب بجواره.
كنا نمر علي الحالات الموجودة في الاستقبال ، الأولي كانت سيدة عجوز ترتدي السواد ، كفيها الحمراوين تغطيها كريات حمض البوليك ، وتتحدث بصعوبة متألمة :
-          الالام المفاصل..إنها لا تطاق.
نظر إليّ(إيهاب مسعود) ، فعدلت من وضع منظاريّ ، وقلت في حيادية :
-          أول ما أفكر فيه هو (النقرس) ، لكني بحاجة إلي إجراء اختبار كريستالات حمض البوليك.
هزّ رأسة في تأمين ، وخطّ التحليل في كشف الحالة ، ثم سأل في روتينية :
-          كيف نعالج (النقرس) ؟!
لم يكن هناك ما يوحي ان السؤال موجه لي بالذات ، لكني من هذا أجني تفوقي :
-          مضادات الألتهاب Steroidal .
و(نديم) أيضاً..!
نظر (إيهاب مسعود) لنا باسماً ، وقال ملوحاً بقلمة :
-          جميل أن تتنافسا ، لكن تذكرا ان الكلية أنسب لهذا من المستشفي !
الحقيقة انه علي حق ، تبادلت النظر مع (نديم) ، وقبل أن ننطق كان قد تحرك مشرفنا ، فهرعنا نحث الخطا خلفه..
فجأة أقتحم رجال الاسعاف المدخل ، وأحدهم يصيح :
-          حالة جلطة دماغية ..النزيف شديد .
أقترب منه الدكتور (إيهاب) ليبدأ في فحص المريض ، وهو يقول :
-          أنت تمزح ، لا إخطار باللاسلكي ؟
-          إنه معطل !
قال د.(إيهاب) وأصابعة تعمل بسرعة علي المريض الذي يبدو إنه متقدم في العمر :
-          تقرح في الشريان السباتي ، هذا الرجل سيصاب بالشلل..
ثم صرخ وهو يدفع (التروللي) :
-          غرفة الأشعة..أسرعوا !
أكمل معه رجال الاسعاف حتي أستقر المريض علي سرير الجراحة ، ثم غادروا ، لقد أنتهي دورهم حتي هذا الحد..في حين دخلت أنا في إجراءات التعقيم فوراً وخلفي (نديم)..
قال لنا الدكتور (إيهاب) وهو يرتدي قفازية بسرعة خارقة :
-          أخشي من وجود تجمع دموي بين الأغشية ، هل قمتما بعملية كهذه من قبل؟
أومأ كلانا أن لا ، فقال وهو يدفع باب غرفة الصدمات بكتفه :
-          عظيم !
كانت فرصة عظيمة لنا أن نعمل ونري هذا الرجل يعمل..وعلي الرغم من أن دورنا لم يتجاوز مساعدين نزيح الأنسجة ، ونقطّب الشرايين الصغيرة المجروحة بمشرطه الجرحي السريع ، إلا أن المتعة لا تدانيها متعة ، دعك من الخبرة العظيمة..
في النهاية أستقرت حالة المريض..
لازال يعاني من بعض الثقل في الكلام ، والحركة إلا أن هذه كانت أفضل نتيجة ممكنة .
هذا جانب من حياتي الجديدة..
* * *
في زمن ما كنت واحدة أخري..
كنت منطلقة مرحة ، ربما مستهترة أيضاً ، مستخفة بالمسئوليات ، والغريب أن هذا كان يجعلني محبوبة أكثر Popular ، برغم ما كنت أمثله من تفاهه وقتها..
وأذكر واحدة من أفضل نكاتي علي الإطلاق هي عندما يتصل بنا أحدهم بطريقة خاطئة ليطلب طعاماً أو دواءاً ، يبدو أن رقمنا مقارب جداً لرقمي المطعم والصيدلية المنشودين ، لأن هذا يحدث كثيراً جداً..
-          لحظة واحدة سأحضر ورقة وقلم !
هكذا كنت أقول في جدية ، ثم أكتم السماعة بكفي كاتمة ضحكاتي ، وضحكات اهلي اللائمة ، قبل أن أعود فأقول :
-          مع حضرتك..أجل ، ثلاثة بيتزا ، وثلاثة كوكا ، العنوان؟ ..أجل ، الاسم؟..عظيم ، سنصلك في خلال نصف ساعة..تمتع بالوجبة !
ثم أغلق السماعة ، واستلقي علي قفاي من الضحك الهستيري ، لا بد أن الرجل سيشعر بالجنون عندما لا يأتيه الطلب ، فربما يتصل بالمطعم مرة أخري..
وعلي الرغم من ثقل هذا المزاح –لو كان هذا مزاحاً- إلا أن أحداً لم يكن ينبهني إلي ذلك ، أو يقول لي انه خطأ ، فقط كانوا يتحدثون عني ضاحكين ، وينعتونني بالظريفة ، الشقية ، الجميلة..
أسمع من يسأل كيف تحولت إلي شخصية أخري إذن؟!
انا نفسي لا أدري ، فمنذ بلغت الثامنة عشر وبالتحديد بعد عامي الأول بكلية الطب ، التي دخلتها بشهادة الثانوية العامة التي حصلت عليها من دولة عربية شقيقة ، إذ لم يظن أهلي أنني بعبثي واستهتاري قادرة علي الظفر بمجموع الطب في الثانوية العامة المصرية..
منذ ذلك الحين ، كانت قد تشعبت في رؤي عديدة ، ومشاهدات كثيرة ، وقراءات عده أيضاً ، أنا التي كانت تبغض الكتاب أصبحت مدمنة قراءة ، ولكن أدركت أنني كنت أكرة القراءة زوراً لانني لم أجرب القراءة اصلاً حتي أعرف إذا كنت سأحبها ام لا ، وفي هذا ألوم أهلي الذين لم يضعوا في طريق نضوجي كتاباً واحداً..
أدركت أن إنسانه مثلي –بلهوي وعبثي واستهتاري ، وتفاهه عقلي- لن يكون لها مكاناً محترماً في هذه الدنيا ، بل لن يكون لها مكاناً أصلاً !
وهكذا أتخذت طريقاً جديداً للتحسين من نفسي ، وهذا ليس صعباً أبداً كما يتصور البعض ، بل هو سهل جداً إذا اعُتُبِرت من مقولة (لكل شئ بداية) .
والغريب انه عندما أصبحت أكثر عملية ، أكثر جدية ، أكثر ثِقل نفسي ، وعقلي مما منحتي إياه القراءات الأدبية والعلمية الطويلة التي سهرت عليها أياماً وأياماً ، أصبحت أقل شعبية ، ولم أعد الفتاه المُفضلة للكثير من الزملاء والأصدقاء..
ولكنني لم أهتم..فمن جرب الطريقين يستطيع حتماً أن يعرف أيهما أفضل ، وأيهما له مستقبل أفضل..
كنت أقول أن هذه القراءات التي جمعت مصادرها من سور الأزبكية ، ومن دور الكتب بالفجالة وغيرها ، والانترنت طبعاً ، قد جعلت من تفكيري أثقل ، وأرجح وجعلتني أشعر بأنني قادرة علي إتخاذ القرار ، وهذه لعمري ميزة فارقة في عصر السرعة والتقدم العلمي الذي نعاصره ، ولا نواكبه .
نقطة أخري هي سفري إلي (لندن) مع أبي في صيف السنة قبل الماضية ، كان لديه عمل ، وقد أجبرته علي ان أسافر معه..
في (لندن) التي مكثنا فيها ستة أشهر ، حصلت علي وظيفة مؤقتة كبائعة في (سوير ماركت) ..
ورأيت كيف يعمل الأنجليز..!
من الغريب أن أول وظيفة أحصل عليها في حياتي كانت في بلاد غريبة عن بلادي ، ولكني لا أنكر أن هذا قد أفادني جداً ، فهم قوم دقيقون جداً ، عمليون جدا ، سريعون جداً..ويهتمون بعملهم كل الأهتمام ، فكل يوم مثلاً كان رئيسي في العمل يبحث عن الجديد في طريقة عرض الطعام ، و المنتجات ، أو يطور من الازياء التي كان طاقم العمل يرتديها ، سعياً نحو الأفضل ، بعكس العامل المصري الذي يميل في معظم الأحيان إلي الكسل ، وإبقاء الوضع كما هو عليه..
والأهم هو احترام العمل كشئ مقدس ، أياً كانت طبيعة العمل..بمعني أن عامل جمع القمامة هو شخص محترم يعتد به ، ويمكن له أن يؤسس حياه كريمة عادية..
لا أريد أن أتحدث بالطبع عن سهولة الزواج هناك ، بالمقارنة بنا..
الخلاصة أن كل هذه التجارب والمشاهدات قد ساهمت في خلق (شيماء) الجديدة ، التي تختلف عن (شيماء) القديمة في كل شئ .
* * *
حسناً..لا زلنا في هذا اليوم ، اليوم الأول لي في المستشفي ..
(حازم) يتحرش بالد.(عبد الرحمن) الذي يتستفزة..(حازم) شخصية متقلبة ،(سايكو) في تعبير غربي من كلمة واحدة ! ، لكنه ساعدني بخبرته في الفلسفة  كثيراً أيام الكلية ، ولا أدري كيف أقنع البعض في تلك الجريدة الخاصة ان تنشر له مقالاته في الفلسفة ، لكنني أعترف أنني لا أفوت مقالاً لذا فلا بُد أنه ناجح !
(نديم) الطبيب الصاعد..هناك صفات ما تلتصق بالانسان ، ويُعرف بها حتي لو كانت مهاراته الاخري أكثر أهمية ، أو ان مجاله الاصلي يختلف عما يُعرف به..
(حازم) مثلاً طبيب ، وعلي الرغم من انه بارع ، وربما كان أبرع مني أو من (نديم) في الطب السريري إلا انه لا يأتي أبداً علي القائمة قبلنا لسبب مجهول..وإذا لخصته في عبارة واحدة فلن توجد بها كلمة الطب ! ، ربما لأنه مشهور في مجال أخر، وربما لأن مجالات اهتماماته متعددة،لا أدري بالضبط..لكنك بضمير مستريح يمكنك ان تنعت (نديم) بالطبيب الصاعد ، بينما لا يمكنك أن تنعت (حازم) بهذا أبداً..
المهم ان الاثنان صديقان لي ، وهذا غريب أن أقرب صديقان لي هما من الاولاد ، وليس البنات ، لكن في عالمي الجديد أصبح تقارب الأهتمامات ، والهوايات هو أقرب الطرق لعلاقات صداقة ناجحة ، ولحظي –أو لسبب أخر لا داعي للتفكير فيه حتي لا أتُهم بالعنصرية- فأن اهتماماتي الجديدة لم تلاقي قبولاً في أوساط الفتيات (!!) ..
كنت أتحدث عن (نديم) ، حسناً..أعذروا ثرثرتي ..(نديم) هادئ ، ورقيق جداً ، وشارد معظم الوقت..لا يريد لا أحد أن يطلع علي حياته الخاصة ، وإن كنت اقدر ان بها من المشاكل ما يكفيه..
كان الدكتور (ياسين) قد أعطانا تذكرة إحدي الحالات لنعمل عليها ، حتي يفرغ من شئ ما لم يفصح عنه..
سألت (نديم) :
-          ما بك؟
كأنني لا أعرفه..
لكنه لم يرد أصلاً ، وصلنا إلي التروللي الذي يجلس عليه المريض شاخصاً ..رجل عجوز يرتدي زياً رياضياً ، ومن الواضح أنه بصحة جيدة..
تقدمت منه قائله في عملية :
-          أستاذ (عبد القوي)..أنا الدكتور (شيماء) ، وهذا هو الدكتور(نديم) ، مم تشكو بالضبط؟!
لاحظت انه ينظر لي بأنتباه كأنه يقرأ شفتي ، فجفلت ، وعدت أقول :
-          أستاذ (عبد القوي)؟
انه لا يفهمني.هذا مؤكد !
-          أنا لا أسمع..هذه مشكلتي..أنا لا أسمعك.!
هكذا قال وهو يشير بيده إلي الفراغ حوله..جربت ان أحدثه بصوت عال ، ولكن بلا نتيجة..
قال (نديم) :
-          أحضري ورقة وقلم .
-          لماذا؟
لم يرد ، فكان هذا دافعاً مُقنعاً..أمسك (نديم) بالورقة ، وخط عليها جملة ما ثم وضعها أمام عيني المريض..
-          ستتحدث مباشرة تجاه أذنّي ؟!
هكذا تساءل الأستاذ (عبد القوي) الذي لا يبدو مذعوراً إلي هذا الحد..فأومأ (نديم) برأسه ، وأشار بيده متابعاً :
-          سأبدأ بالأذن اليمني..حسناً؟دعني اعلم لو سمعت شئ.
ثم أقترب بهدوء من أذن المريض اليمني وراح يتحدث ببطء وبصوت منخفض :
-          أنا الدكتور (نديم إسماعيل) ..هذه المستشفي التي أعمل بها..إلخ !
لم يبد علي المريض أي تغيير..وهز كتفيه ! ، فأنتقل (نديم) إلي طبقة صوت أعلي فأعلي حتي قارب الصراخ ، ولكن بلا فائدة..
-          سنحتاج لرأي خبير أذن.
هكذا قلت وأنا أمسك بتذكرة المريض ، ولكن قبل أن يجيبني (نديم) ، اقتحم د.(ياسين) الركن وهو يصيح ماسحاً فمه العملاق :
-          حسناً..ماذا لدينا هنا؟
بالانجليزية ذات اللهجة الأمريكية المميزة المقززة ، هذا الرجل متأثر بالثقافة الأمريكية كما هو واضح..
نهض (نديم) من انحناءته ، قائلاً في روتينية :
-          فقدان سمع مؤقت فيما يبدو..استجابة معدومة من الاذن اليمني لكنني لم أكمل بعد.
أمسك د.(ياسين) وجنتي الرجل ، وسأله بنبراته الزاعقة المزعجة :
-          سيدي..هل تسمعني؟
هز الرجل رأسه وهو ينظر نحو وجه د.(ياسين) بأنتباه ، كأنه يقرأ شفتيه أو ماشابه ..
-          كنت أقول اننا سنحتاج لرأي خبير أذن .
هكذا أردفت علي مسامع د.(ياسين)، الذي رد علي بسرعة ساخراً دون أن يلتفت إليّ :
-          خبير أذن في هذه المستشفي؟ لن ياتي قبل ست ساعات..إنهم لا يعتبرون أمراض الاذن والعيون ضمن طب الطوارئ .
ثم أدار وجه المريض في ليونه ، وصفق بيديه بخبره تجاه أذن المريض علي نحو أفزعني..لكن المريض تحرك بلهفة ناحية الصوت..
-          مرحباً بعودتك !
الانجليزية الأمريكية المقيتة نفسها ، لكنه لا يتحدث باهتمام ابداً ، غير انه تناول ملقاط ، وانحني يفحص أذن المريض ..
-          حالة انسداد شمعي علي الأرجح..سيدي ، كم عمرك؟
مرة أخري لم يميز المريض أي شئ..فخط (نديم) السؤال في ورقة وقدمها إليه ، فقال :
-          ثمانية وستون..عمري ثمانية وستون عاماً.
اعتدل د.(ياسين) ، وقال بلا اكتراث وبكلمات سريعة كأنما يريد ان يفرغ من هذا سريعاً :
-          لا يميز الكلام لكنه لم يفقد السمع بعد..صفا له قطّاره وماء دافئ ، واتصلا بطبيب الاذن والحنجره..غالباً سيحتاج إلي خلخلة الطبقة الشمعية وانتزاعها..لا تفوتا هذا ، ستستفيدا..
ثم أردف ساخراً وهو يغادر نحو مريض أخر :
-          هذا لو جاء طبيب الاذن والحنجرة !
رباه ، هذا الرجل لا يُطاق !
* * *
 
3- الثالث
تشاجرنا من جديد اليوم !
أعرف أنك يا مفكرتي قد سئمت شكواي اليومية الدائمة ، لكنك بذكرياتي التي تحفظيها في سجلاتك الالكترونية تعرفين أنني لا ذنب لي ، وانني أُجر جراً إلي الشجار معه ، بمعني أخر هو يتحرش بي..يتلكأ لي علي خطأ..
المرء لا يختار والده !
المهم ..استيقظت متضايقاً منزعجاً بسبب ضربه لسطح المنضده بكفة في عنف..وهذه هي وسيلتة الرقيقة لأيقاظي فهو لا يعرف ان يهزني برفق ..
كنت قد أكملت أربع ساعات من النوم ، وهي غير كافية إطلاقاً بالطبع ، لذا كنت أشعر بالصداع والدوار ، وانا أقول في ضيق :
-          ماذا تريد مني؟
-          أنت فتحت غطاء بالوعة البانيو قبل نومك !
-          والله ؟!  وإذن ؟
صاح كأنني ارتكبت الخطيئة :
-          لقد سددتها متعمداً لتخزن بعض الماء في البانيو ، المياه مقطوعة من الأمس يا فالح !
التقطت انفاسي وأنا أمسح وجهي في صبر :
-          استغفر الله العظيم ..ماذا تريد يا بابا ؟
-          أنت غبي ، وحيوان..!
-          هل هناك شئ اخر؟!
-          أجل..أنت أغبي من حمار ، وأرقع من سـ...
صحت مقاطعاً بأستنكار ، وأنا مازلت حتي في السرير :
-     ولماذا لم تنبهني أنك تجري التجارب العلمية الألمعية في الحمام ..دعك من غباء الفكرة أصلاً لأنني لن أمد إصبعاً لهذا الماء ، لقد ظننت أنني أنقذ الشقة من الغرق .
-          وأين هو الماء؟ لقد أضعته سعادتك بعبقريتك الفذة !
-          يووووه !
قذفت الغطاء في طريقي للحمام ، سار خلفي وهو مستمر في الصياح :
-          أرأيت أنك مجرد حيوان بري..لا تعمل لي فيها دكتور..انت برميل أجـ..
قاطعته بصفع باب الحمام في وجهه ..
فتحت الصنبور لينساب خيط رفيع من الماء انقطع في الحال..المياه مقطوعه فعلاً..
استفعرت الله من جديد ، وتيممت لأؤدي صلاتي ، ثم ارتديت ملابسي علي عجل ، وأسرعت بالفرار من جحيم المنزل ..
وجهتي كانت مكتب الهجرة..أجل ، أنا أبحث بجدية هذه الأيام الهجرة إلي احدي دول  شمال أوروبا..الدنمارك ، النرويج ، أو السويد..
أسهل الطرق ، وأضمنها لحياة آدمية معقولة..
جلست في القاعة المكيفة أقلب ملفي الذي تتكاثر فيه الأوراق والمستندات الرسمية ما برحت..
مهموماً بحالي أنا جالساً ، قدماي متباعدتان ، فتصنعان حرف (في) لاتيني مقلوب، ذقني النابتة تتصل بسوالفي في اتساق ..وشعري (اون اير) أو شعر مذيع هواء كما يقول الأمريكان..فلا ريب ان مظهري كان رائعاً . !
الساعة..التاسعة وخمس دقائق ، لقد تأخرت ولن أنال سوي التقريع .
لذا أطوي ملفي وغداً يوم أخر..والان إلي العمل فورا !
نديم إسماعيل
* * * ً
 (نهاية الحلقة الأولي)

الحلقة الثانية 
ثلاثة 
واحد..
الصباح الباكر في الصيف..نسمة البرودة الوحيدة التي يتنسمها المرء من وسط الحرارة الحارقة التي تملئ فراغ اليوم .
الشارع الخالي يعطي لك إحساساً رائعاً بان الدنيا ملكك ، وأنك الملك المتوج الذي يسير في أرض مُلكه مترفاً..
غير أن (نديم) كان في غني عن هذه الخواطر وهو يدس يده في جيبي سرواله القماشي الخفيف ، سائراً في شوارع العاصمة الساعة السادسة صباحاً ينظر في الأرض تاره..ثم يرفع وجهه ويثني رقبته للخلف تاره..يتوقف تاره ينظر للنيل من فوق كوبري..أو يجلس دقائق علي مقعد خشبي تحت ظل شجرة .
وفي ذهنه راح يسترجع أحداث الليلة الماضية..         
كان عائداً من مباراة كرة عنيفة مع أصدقائه في مركز الشباب القريب ولم يكد يرغب إلا في حمام ساخن سريع ، فالاتجاه مباشرة إلي السرير .
فقط ليجد عامل جمع القمامة يقف امام باب الشقة المفتوح ، ووالده ينقل ثلاثة حقائب قماشية كبيرة إلي الزكيبة الضخمة التي يجمع فيها العامل القمامة .
لثوان تجمد (نديم) ليستوعب الموقف ، ثم قال مبهوتاً :
-          ما هذا ؟
جاءت الاجابه علي غير المتوقع من العامل الذي ألقي عليه التحية :
-          السلام عليكم .!
اقترب (نديم) محدقاً في الحقائب الثلاثة ، ثم قال كأنه كان يتأكد :
-          هذه حقائبي !
قال والده بارداً في برود :
-          هذه كراكيب ليس لها لزوم .!
انتزع (نديم) الحقائب من الزكيبة في عنف بعدما ألقي الحقيبة التي بها ملابس الكرة جانباً ، وصاح :
-          هل وصلت إلي هذه الحد ؟ تلقي أشيائي في القمامة ؟!
-          هذه قمامة فعلاً..تشغل مكاناً كبيراً فوق الدولاب وليس لها لزوم ! أنت حتي لا تفتحها !
صاح (نديم) ثائراً :
-          وهل هو دولابك؟ وهل تشغل مكاناً من غرفتك؟ إنها حياتي أنا !
-          انت لا تحيا في مزرعة بهائم..فلتلتزم بقواعد الحياه الادميه ..راجع دروسك عساك تتخرج بدلاً من لعب الكرة طوال اليوم . ! هيا يا هذا خلصنا من هذه القمامة المزعجة !
هكذا كان يخاطب العامل الذي كان يقف في موقف المشاهد حتي الان ، وعندما واتته فرصة التدخل ، قفز (نديم) يحوط علي حقائبة هاتفاً :
-          علي جثتي..تريدني أن أتخرج فعلاً؟ اتركنب لحالي إذن..أنا الثاني علي دفعتي أيها الغبي ، ماذا تريد مني ؟
راح الأب يركل الحقائب متشبثاً بأحداها ، وتحول الأمر إلي عراك عبر ثوابت بين طرفين غير متلامسين
وقرر عامل جمع القمامة أن هذا يكفي لهذه الليلة ، وحمل زكيبته علي كتفيه وبدأ يهبط السلم


وضغط (نديم) علي أسنانة هاتفاً في عزم :
-          اترك أشيائي .
لكن الأب ظل يجذب بقوة وغل حتي..
حتي تمزق جانب إحدي الحقائب القديمة ، وتساقطت منه مفكرات وشرائط وصور واسطوانه كمبيوتر ..
صاح (نديم) هولاً عندما رأي المشهد :
-          لا !
وارتمي يلملم متعلقاته ويدفعها دفعاً إلي داخل الحقيبة من جديد ..أستغل الأب هذا ودار حوله ليركل حقيبة أخري مستقرة في الخلف ليدحرجها علي السلم الهابط إلي أسفل .
صرخ (نديم) ومقلتاه تعملان :                                                                       
-          كفي ..كفي.
وهم ناهضاً فدفعه أبوه ليقع ثانية ، لكن (نديم) تماسك ودفعه في صدرة دفعة قوية ارتمي علي أثرها علي درجات السلم الصاعد .
ثم أن (نديم) لملم حقائبة الثلاثة بسرعة وهرع إلي داخل الشقة ، فغرفته ، فوصدها عليه جيداً ثم ارتمي علي سريره يرتب أشياءه الصغيرة ويصنفها بدموعه .

*  *  *
اثنان ..
-          الافطار جاهز !
هكذا غمغمت الدكتورة (كوثر) وهي تهز زوجها برفق..إنها أول من يستيقظ في البيت ، وهذه عبارة تقال علي سبيل المجاملة لا أكثر، ففي كثير من الأحيان هي لا تنام الليل حتي تكون أول من يستيقظ...هذا لأن د.(كوثر) واحدة من أشهر الأطباء الممارسين في (مصر) ، وعملها كرئيسة قسم الطوارئ بالمستشفي الجديد يلتهم أكثر وقتها ، دعك من وقت العيادة الذي قررت اخيراً ان تستاجر طلبة طب شباب ليديروها بعد أن عجزت فعلاً عن توفير الوقت الكافي لها .
دعني أصفها لك..شابة عمرياً إذ تجاوزت الأربعين بقليل جداً من الشهور..ضئيلة الجسد بشكل عام ، صفراء البشرة ، مشدودة الأعصاب والاوتار ، غائرة العينين ، مفتولة الشعر الذي بدأت الشعيرات البيضاء تخط جانبيه حول أذنيها .
-          الافطار جاهز !
هكذا تخاطب ابنها النائم في عمق كالفيل كديدن المراهقين ..لديها ولدين أولهما (نبيل) في الثانوية العامة ، والثاني (أحمد) في الابتدائية .
يدلف الزوج إلي المطبخ وهو يجفف وجهه بالمنشفة إثر حلاقة الصباح ، ليجدها بالملابس الكاملة تتناول الشاي علي الواقف وهي تسلق شيئاً ما في إناء للغذاء !
-          لديك عمل ؟
-          دائماً لدي عمل !
جلس علي مائده المطبخ المربعة ، وفرد الصحيفة ثم طواها علي صفحة الرياضة ووضعها بجواره ليتمكن من قرائتها بينما هو يصب الشاي من البراد الزجاجي الساخن ..

-          هيا إلي الأفطار..ستتأخرون علي المدرسة .
هكذا صاحت (كوثر) وهي ترفع الاناء من علي النار لتضعه علي المنضده فوق عازل (قطعة موكيت صغيرة) ..
وفي تلك اللحظة دلف (نبيل) و(أحمد) إلي المطبخ في صمت ووجهيهما يحملان غشاوة الصباح المشوشة .
صب الأب أكواب شاي للولدين ، بينما (كوثر) تراقب صينية أخري  في الفرن الحراري .
-          هل شاهدت البرنامج الذي كنت تنوين مشاهدته بالأمس؟
هكذا سألها وقد فرغ من صب الشاي وشرع يقلب الصحيفة علي صفحة أخري..
- كلا..لم أفرغ من مؤتمر الفيديو قبل الفجر !
ابتسم ابتسامه تهكمية أسرع بمداراتها ، ثم قال :
-          وهل يعمل الفيديو بشكل جيد؟
رمقته بنظره من تعود علي الحياه بهذا الشكل ، وولت اهتمامها للصينيه التي تخرج حالاً ساخنة السطح ، قائلة :
-          من الغريب انك مهندس اتصالات ولا تعرف معني مؤتمر الفيديو !
-          المدرسة تطلب ولي أمري اليوم !
تفجرت الجملة كقنبلة الصمت في المكان ، ثم قال الأب وهو يتلفت حوله في أداء تمثيلي :
-          من قال هذا ؟ خلتني سمعت شيئاً !
كان (نبيل) الأب الأكبر ، دافناً وجهه في طبق حبوب باللبن ، ومتابعاً بلهجة باردة عادية جامدة :
-          والا امنع من دخول المدرسة !
هتفت (كوثر) في قلق :
-          لماذا ؟ ماذا حدث؟
-          مشاجرة !
نظرت (كوثر) إلي زوجها الذي أنتشل الصحيفة من تحت فنجان الشاي ، ونهض قائلاً :
-          هذه من مهامك ..انا لدي عمل الان..إلي اللقاء مساءاً .
انفرجت شفتيها لحظة ، ثم انقبضتا في عجز..ونظرت إلي ولدها الذي وصل التهام إفطاره في لا مبالاه ..
غادر الأب المطبخ ، وغادر (أحمد) بدورة ، لتقترب (كوثر) من (نبيل) :
-          مع من تشاجرت ؟
-          أولاد..عصابة ..كانوا يتحرشون بي فسحقتهم !
-          هل تلعب الكاراتيه لتضرب الاخرين ؟
-          لم اضربهم أولاً !
-          كيف أثق بهذا ؟
نظر لها بحده ، وقال :
-          ماذا عن كلمتي لك ؟!
تنهدت في عمق ، وخفضت بصرها ...
-          لا حل..سأكتب لك خطاباً للمديرة تحضر به دروسك اليوم ..لن أستطيع الغياب عن المستشفي اليوم قبل الثانية عشر .!
-          لن توافق !
-          جرب !
لم يرد وكان هذا بمعني انه يعرف أكثر..وعندما نهضت (كوثر) ووصلت إلي الباب لا زالت..سمعت همساً من يقول :
-          لن توافق !
توقفت ونظرت خلفها بحزين العيون..
* * *
- هيه .!
هكذا صاحت د.(بسنت) وهي تناور أعضاء دفاع الخصم ، في لعبة كرة السلة ، ثم سرعان ما اخترقت من بين لاعبتين ، لتستدير صديقتها (مها) وتمرر لها الكرة ، فتتلقفها وتقفز في براعة لتسددها داخل السلة محرزة نقطتين ..
-          فوز جديد ..!
هكذا قالت (مها) مبتسمة ، وهي تلتقط زجاجة مياه بعد المباراه ، فقالت (بسنت) لامبالية :
-          أجل ..

 النهاية

مسودة التفكير (مش لاقيها، فهكتبها من الذاكرة) :
حازم و عبد الرحمن هيبقوا أصحاب كويسين. حازم هيرتبط بعلاقة عابرة مع د.بسنت، و بعدين بعلاقة قوية مع د.نيفين خبيرة التخدير الأكبر منه. عبد الرحمن هيُعتقل تاني، فحازم هيجري وراه و يدور عليه في كل مكان، لحد ما هيتحول تدريجياً لناشط سياسي، و يبدأ يدخل في موجة اكتئاب و اضطراب نفسي تدريجياً تأثر علي علاقته بنيفين، و بوالده الد. عبد الهادي.
نديم هتستمر علاقته بوالده بالسوء لحد ما هيسيب البيت، و يروح يقعد مع حازم لفترة. 
شيماء هتبقي حاسه بأنجذاب لنديم.
د.كوثر هتستمر حياتها في اللخبطة بين البيت و المستشفي، لحد ما هتعمل حادثة كبيرة هتأثر عليها، و لكنها هترجع لها عيلتها تاني. 
د.إيهاب هيسيب المستشفي في اخر الموسم، و يرجع ألمانيا.
د.تيسير حشاد هيتم فصله من الملاك الخليجيين في أخر الموسم بسبب مشاكل مالية. 
د.حافظ الريفي الصامت هيتورط مع أخوه في قضية برا المستشفي، هتنتهي بأنهم بيقتلوا واحد و بيخبوا الجريمة. قبل الجريمة هتبقي فيه خناقة جامدة في المستشفي بينهم، و حازم هيتدخل فيها لصالح د.حافظ و هتبقي درمغة.

مش فاكر الباقي..
أحمد مجدي
2007

هناك تعليق واحد:

  1. مستغربة أن مفيش كومنت لحد دلوقتي !
    روعـة !!
    أول مرة أقرالك حاجة متقنة جداً بالشكل ده ، فيه تعديلات بسيطة في اللغة وفي بعض كلام شيماء بس غير كده القصة فعلاً تحفة
    ويارييت والنبي تكملها مرة بقى وتعمل فينا معروف ، أنا متشوقة ليها جداً
    كل شوية كان النور يقطع وانبسط علشان اخد بريك أكمل فيه احداث القصة ، حسيت ان نفسي اتحبس لحد آخر سطر وفي الآخر هااااااه بعد ما خلصتها :D
    الشخصيات عجباني جداً ، معلوماتك لا بأس بها وأعتقد ان السبب الاساسي هو ER
    ألهمتني بفكرة مشابهة بس لباحث في مرصد فلكي ، غالباً المشكلة حتكون ظاهرة كونية غريبة وبتاع بس مش حتتحول لديزازتر موفي
    تعليق آخر ، نمط الحياة أمريكي جداً ، حتى في خناقة نديم _ الاسم اللي عاجبك ده :D _ مع باباه ، بس اشطة لا امانع ولكن حذار من المغالاه بقى .. الناس اللي حتقرأ حتضحك وتقول ده فاكر نفسه في أمريكا وبتاع :D
    حاول تضيف غير موضوع الاعتقال شيء مصري أصيل في الجو العام وفي علاقات الشخصيات ببعضها وبأسرها
    باي ذا واي ، موضوع المعتقل ده يمكن أفضل منحنى في القصة خصوصا بعد التصور اللي كتبته في المسودة

    بيرفكت ويارب أشوف تكملة ليها قبل ما أموت أو ابتعد عن الحياة الافتراضية :D

    ردحذف